تامين

السبت، 7 ديسمبر 2013

بحث حياة مع أجمل قصائد الشاعر السوري بدوي الجبل



أجمل قصائد بدوي الجبل




بدوي الجبل هو الشاعر السوري الكبير محمد سليمان الأحمد ابن العلامة الشيخ سليمان الأحمد (عضواً مجمع اللغة العربية في دمشق و شارح ديوان المكزو) جده الأكبر (المكزون السنجاري) وهو واحدا من أعلام الشعر العربي في القرن العشرين. ولد سنة 1900 في قرية ديفة في محافظة اللاذقية بسوريا، و"بدوي الجبل" لقب أطلقه عليه المرحوم (يوسف العيسى) صاحب جريدة "ألف باء" الدمشقية في العشرينات. إنغمس بدوي الجبل في حقل السياسة فأنتخب نائباً في مجلس الشعب السوري 1937 وأعيد انتخابه عدة مرات ثم تولى عدة وزارات منها الصحة 1954 والدعاية والأنباء. غادر سوريا 1956 متنقلاً بين لبنان وتركيا و تونس قبل أن يستقر في سويسرا. عاد إلى سوريا 1962 حتى توفي يوم 19 أغسطس سنة 1981. كان من أنصار الرئيس القوتلي، مدح الفرنسيين ثم ذمهم، هاجم حزب البعث أثناء هزيمة حزيران كما أشاد بأبطال سوريين مثل ابراهيم هنانو و يوسف العظمة .. وقد سطر أروع وابدع القصائد.


شعره

يمثل شعر بدوي الجبل السقف الأعلى في الشعر الكلاسيكي من حيث حقق التوازن بين الخيال والفكرة، من الناحية الروحية تأثر شعرياً بجده المكزون حيث إنعكست بعض الإشارات الصوفية في ثنايا شعره، شعره السياسي المقاوم للإستعمار الفرنسي يصلح اليوم لمقاومة الإستعمار الغربي، تغنى في شعره بحضارة الأمويين معتزاً بعروبتهم وتغنى بدمشق ومنها قوله عن دمشق:

بنت مروان إصطفاها ربها لا يشاء الله إلاّ ما تشاء

شعره الجميل دليل على أن الشعر العربي مطبوع وليس مصنوعاً إلاّ لدى الشعراء المتكلفين، وبدوي الجبل علم في عالم الشعر العربي قصائده الجميلة فذة تفيض بالمعاني وجمال الكلمات.

يعتبر بدوي الجبل والأخطل الصغير وعمر أبو ريشة والجواهري رموز الشعر الكلاسيكي العربي، ورغم كثرة الدراسات عن شعره حتى الآن لم ينصف بشكل مناسب فهو مدرسة من مدارس الشعر العربي.

مع أنه ينتمي إلى الطائفة الإسلامية العلوية وربيب بيت ديني عريق في تدينه إلا أنه تجاوز حدود الطائفة وحلق في سماء الدين الإسلامي الرحب فقال:

مسلمٌ كلما سجدت لربي..................فاح من سجدتي الهدى والعبير

وكان يعتز بعروبته حيث قال:

عربيٌ فلا حماي مباحٌ................عند حقدي ولا دمي مهدور

اجمل قصائده: اللهب القدسي، الكعبة الزهراء، البلبل الغريب، ابتهالات، خالقة، شقراء، حنين الغريب، من وحي الهزيمة.

تأثر بالمتنبي شعرياً حتى قيل انه متنبي القرن العشرين. كتب عنه العضيمي دراسة تحت عنوان "هذا هو بدوي الجبل" وهي دراسة متحاملة عليه تفتقر إلى الموضوعية. قال عنه الشاعر سعيد عقل (انه أحد قلائد الشعر في الدنيا)وشهد له الشاعر الكبير نزار قباني وقال انه(السيف اليماني الوحيد المعلق على جدار الشعر العربي) وكذلك الشاعر سميح القاسم كتب(باق هو الرائد الرائع… بدوي الجبل)ويقول ادونيس في شهادة له عن بدوي الجبل(حين يموت شاعر يستيقظ في العالم شيء كان نائماً. بل يشعر بعضنا أن أشياء كثيرة في ذاكرتهم وحياتهم، تسطع كما أنها تولد للمرة الأولى. كأننا بموته، نرى ما لم نكن نراه -ما كانت العادة أو الألفة تحجبه -وكأن الزمن يكتب موت الشاعر قصيدة أخيرة، تتوهج كضوء أخير.
والكلام عنه كثير والشهادات به اكثر من ذلك..فهو امير الشعراء بدون منازع…
سيرة حياته
اسمه محمد سليمان الأحمد، وُلِدَ في قرية «ديفة» في جبل اللكام، من جبال محافظة اللاذقية السورية. وترعرع في قرية «السلاّطة» قريباً من «القرداحة».
ويرجح الدارسون اعتبار سنة 1904 تاريخاً لولادته. والحال أن قيد نفوسه يشير إلى أنه من مواليد العام 1898. لكن البدوي يقول أن هذا التاريخ هو تاريخ ولادة أخ له توفي قبله ولم يرقّن قيده من السجل المدني، فلما وُلِدَ هو سُمِّيَ باسم المتوفي وحمل تاريخ ولادته.
والده
والده العلاّمة الشيخ سليمان الأحمد، وهو من مواليد 1868، وهو بالإضافة لكونه فقيهاً دينياً، وعالماً لغوياً، وعضواً في المجمع العلمي العربي في دمشق، كان واحداً من كبار المصلحين التنويريين في جبال الساحل السوري. حيث عمل على نشر الوعي بضرورة العلم، ومحاربة الجهل والخرافات، وكان من أول الداعين إلى تعليم المرأة. وحين تولى منصب «قاضي القضاة» في تلك المنطقة، عمل على تنظيم المرجعية الفقهية لمنصبه ومحاربة النزعات الطائفية البغيضة. والشيخ سليمان الأحمد أيضاً شاعر، وشارح لشعر جدّه المتصوف الشهير «الحسن المكزون السنجاري»، وفيلسوف له مناقشاته وحواراته مع عدد من مفكري عصره العرب والأجانب، ومنهم المستشرق الشهير العلامة لويس ماسينيون الذي زاره في بيته في السلاّطة، وقد احتفت الأمة العربية بيوبيله الذهبي في مدينة اللاذقية عام 1938.
يذكر د. شاهر امرير عنه أنه حين بدا له أن الفرنسيين يخططون لتمزيق أواصر المسلمين بإصدارهم لفكرة “الظهير البربري” في المغرب عام 1925، وأنهم يخططون لتمزيق الوطن بنفس الطريقة، انتفض مغضباً في وجه الجنرال الفرنسي «بيوت»، وقال له: «سيادة الجنرال سواء عبدنا الحجر، أو عبدنا المدر، فليقيننا أن هذا هو ما جاء به “محمد بن عبد الله”، فلِشاكٍ أن يشك في صحة فهمنا، لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن لا مجال لأي شك في انتسابنا، واتباعنا له».
وقد تضمن حفل تأبينه بعد وفاته في العام 1942، كلمات وبرقيات من العديد من الشخصيات السياسية والأدبية والفكرية والدينية في سورية والوطن العربي، ومما قاله الرئيس الأسبق لسورية (هاشم الأتاسي) في رسالة تعزية للبدوي بوالده: «لقد أنجب الفقيد علماً من أعلام الأدب والوطنية في العالم العربي، أنشأه، وتعهّده بالروح السامية، والمبادئ القويمة، فأهدى به لأمته عبقرية فذة هي أجلّ الهدايا، وأثمنها، والولد سر أبيه».
والدته وإخوته
والدة البدوي «رائجة عجيب» تزوجها الشيخ سليمان وعمره خمسة وعشرون عاماً، أنجبت له عدة أولاد بقي منهم حياً بعد وفاتها، «سكينة» والصبي «محمد» الذي أصبح بدوي الجبل، وقد كان عمره عند وفاة أمه سنتين فعاش في كنف زوجة أبيه التي أنجبت كلاً من:
- فاطمة: وهي من الشاعرات الرائدات في سورية، نشرت قصائدها في الصحف السورية والعربية في العشرينات من القرن العشرين، واشتهرت في الحياة الأدبية باسم «فتاة غسان».
- د. علي: الذي درس الطب في فرنسا وزاوله منذ العام 1937، وحتى وفاته.
- آمنة: خريجة دار المعلمين.
- د. جمانة: وهي أول امرأة طبيبة في جبال الساحل السوري، وقد شغلت مناصب عديدة في وزارة الصحة.
- د. أحمد: أستاذ جامعي، وشاعر.
- سلمى: خريجة معهد التربية العالي بمصر، ومربية فاضلة.
- محمود: مجاز من كلية التجارة، وعمل مفتشاً بوزارة المالية حتى تقاعده.
نسبه
ينتهي نسب بدوي الجبل إلى «الحسن المكزون السنجاري» الشاعر، الأمير، المتصوّف، الذي يتصل نسبه بملوك اليمن القدماء.
ويذكر أ. طارق عريفي بدوره أن المتصوف الكبير «الحسن المكزون السنجاري» ينتمي في أصله إلى الغساسنة، فهو غساني من رجال القرن السابع الهجري، واشتهر بتصوفه وشعره في الغزل الإلهي. وقد كان قوم الأمير يسكنون جبل «سنجار» قبل أن ينتقلوا (في هجرتين متتاليتين تحت قيادة الأمير) إلى جبال الساحل السوري. ويذكر د. شاهر امرير أن الأمير جاء بحملة تقدر بخمسة وعشرين ألف مقاتل لإنقاذ مشايعيه من الاضطهاد، وذلك في حوالي العام 617 هـ (القرن الحادي عشر الميلادي) لكنه دُحِرَ، وهُزِمَ. ثمّ جاء بحملة أخرى مؤلفة من خمسين ألف مقاتل، تغلّب بهم على أخصامه، وسكن مدة في قرية «سيانو» ثم في قرية «متور» ومكن لأشياعه وأنصاره من المنطقة.
طفولته
يذكر الباحث ديب علي حسن عن الشاعر قوله: «عشت في قريتي حتى بلغت الحادية عشرة، ما كان أجمل قرى تلك الأيام! ما كان أروع منازلها المشرّعَة الأبواب، دون استئذان يقبل عليها الناس، ومنها يخرجون. كانت رمز الألفة والحرية، طفولتي سعيدة في كل الوجوه، أما جو منزلنا العلمي والأدبي، فإليه يرجع الفضل الأكبر في توجيهي نحو المناخات الشعرية. لكن، الله وحده يصنع الشعراء».
نشأته وثقافته
يذكر أ.طارق عريفي أن بيت الشاعر كان مدرسته الأولى التي تعلم فيها أصول الدين والأدب. «درج الصبي مع إخوته محاطين برعاية (والده) الشيخ (سليمان الأحمد) مبتدئين بحفظ القرآن الكريم، يتلقون عليه علوم اللغة، والدين. وأظهر الصبي ذكاءً خارقاً في الحفظ، ومقدرة فائقة على استيعاب ما يقرؤه فحفظ دواوين فحول الشعراء، وقرأ ما وقع في يديه من كتب التاريخ والأدب ورسائل البلغاء».
وفي حوار لمنير العكش مع البدوي يقول: «بدأت القراءة بالقرآن الكريم، ثم قرأت على أبي، برغبة منه الحديث الشريف، ونهج البلاغة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وهو غاية الغايات في البيان، والإيمان والفناء في الله. ثم قرأت على أبي بعد ذلك اللزوميات لأبي العلاء المعري. ثم قرأت عليه المتنبي وأبا تمام والبحتري والشريف الرضي ومهيار الديلمي والحماسة لأبي تمام».
كما يذكر أ.نبيل سليمان أن بدوي الجبل في حواره يضيف أنه قرأ على أبيه ديوان المكزون السنجاري عشرات المرات وأنه فضّله على ابن الفارض، وأنه لم يتأثر بالمنتجب العاني.
درس الابتدائية في الجبل، والإعدادية في اللاذقية، وعندما احتل الفرنسيون اللاذقية كان متصرّفها آنذاك الرجل العربي الكبير رشيد طليع فتوثقت بينه وبين الشيخ سليمان آصرة صداقة، فحث أباه على تعليمه. وكذلك كان موقف زوجة أبيه فبعث الشيخ ابنه إلى دمشق حيث أكمل دراسته في مدرسة عنبر، ويُقَال أنه هناك بدأ ينظم الشعر.
كما يذكر د.شاهر امرير عن قصة نظم الشعر لدى البدوي يقول: «لقد بدأ البدوي ينظم الشعر مبكراً، فكان يقدم كل يوم لوالده قصيدة، فينظر فيها الوالد، ويصلّحها، ويقوِّم من اعوجاجها، فالشعر كما يحتاج إلى الفطرة السليمة، يحتاج إلى الدربة حتى تستقيم الملكة، فلم تمض فترة طويلة حتى استقام الوزن، وأسلست اللغة، واستجابت الألفاظ، والقوافي، فإذا البدوي، وهو الشاب الصغير، شاعر، يكاد يُعَدّ من الفحول، عند هذا، ابتسم الوالد ابتسامة الرضى، والاعتزاز، وأمسك بالقصيدة الأخيرة للشاب، فربّت على كتفه، وقال له، والدموع تخنقه من الفرح: الآن أصبحت يا محمد شاعراً، فاذهب، وتغنّ بهذا الشعر، فسوف تكون شاعر البلاد العربية في مستقبل الأيام بإذن الله».
لقبهكان البدوي في بداياته الشعرية، يرسل نتاجاته إلى صحيفة «ألف باء» ولم يكن مشهوراً، وحدث أن هزّ العالم آنذاك موت المناضل الإيرلندي ماك سويني محافظ مدينة كورك الذي قضى نحبه مضرباً عن الطعام لمدة أربعة وسبعين يوماً احتجاجاً على وجود الإنكليز في بلاده، وقد تأثر الشاعر بهذا الموقف، فكتب قصيدة «ماك سويني» وأرسلها للصحيفة المذكورة.
وقد تملكت الغرابة الشاعر عندما شاهد القصيدة منشورة ومذيّلَة بتوقيع «بدوي الجبل» فذهب إلى صاحبها معاتباً، إلا أن الأستاذ يوسف العيسى صاحب الجريدة الذي أطلق اللقب عليه قال له: «إن الناس يقرؤون للشعراء المعروفين، ولست منهم، وهذا التوقيع المستعار يحملهم على أن يقرؤوا الشعر للشعر، وأن يتساءلوا من ذا يكون هذا الشاعر المجيد؟ وأنت في ديباجتك بداوة، وأنت تلبس العباءة، وتعتمر العقال المقصب، وأنت ابن جبل، إذاً فأنت بدوي الجبل». هذا ما يرويه صديقه الأستاذ أكرم زعيتر، عن هذا اللقب الذي شاع فيما بعد في عالم الأدب والشعر.
البدايات الوطنية الأولى
يذكر الباحث ديب علي حسن عن البدوي قوله: «بانتقالي من القرية إلى المدينة، قفزت إلى الرجولة دفعة واحدة، بدأت حياتي السياسية، وأنا بعد في سن الحداثة، ولقد عبرت بي السنون مسرعة لم تترك في حياتي سوى ذكريات ضاعت ملامحها، وصرت أتجشّم الصعاب كلما حاولت استعادة شيء منها. غريبة هذه الحياة، تدهمنا كالعاصفة تسبقنا أحياناً، ونلهث، ونحن نركض وراءها».
كان نزول الفرنسيين على الساحل السوري في 15/11/1918 أي قبل احتلال دمشق بزهاء السنتين، وفي هذه الأثناء كان أن الملك فيصل عيّن رشيد طليع آنذاك وزيراً للداخلية، في حين أن ثورة الشيخ صالح العلي كانت في بدايتها، وصدرت إرادة ملكية بإرسال وفد حكومي إلى الشيخ صالح العلي للحديث حول أمور الثورة، فتألف الوفد من وزير الدفاع آنذاك يوسف العظمة، الذي استشهد في معركة ميسلون، وكان يرافقه نسيب حمزة أحد أقطاب الكتلة الوطنية بدمشق.
وقد نصح طليع الملك فيصل بأن يرسل فتى عنده مع الوفد، حيث أن لأبيه منزلة كبيرة لدى الشيخ صالح العلي، وأنه إذا ما رآه في رفقتهم سيسر به، ويأنس إليه. فوافق الملك فيصل وانضم البدوي إلى الوفد، فركبوا القطار إلى حماه، ثم نقلتهم عربة خيل إلى بيت الشيخ صالح.
ويروي بدوي الجبل ذكرياته عن تلك الرحلة قائلاً أن الأمن كان ضعيفاً، والمسافر يتعرض لمخاطر، ومنها عصابة فهد الشاكر، وبينما كانوا في الطريق تصدّت لهم العصابة، وأخذت بالسطو على ما في العربة، غير أن وجود فتى في مثل سنه بين أعضاء الوفد قد أثار دهشة اللصوص، وسألوه: أأنت حقاً ابن الشيخ سليمان الأحمد؟ فقال: نعم، فصرخ أحدهم مردداً اسمه، وقال: لن يحرسكم في الطريق إلى بيت الشيخ صالح العلي إلا وجود هذا الفتى بينكم، وأخلت العصابة لهم الطريق.
سجنه الأول
لازم بدوي الجبل الشيخ صالح العلي شهوراً، حتى كان استشهاد يوسف العظمة في معركة ميسلون الشهيرة 24/10/1920، واحتلال الفرنسيين لدمشق، فصدر أمر بتوقيف بدوي الجبل الذي تخفى حينذاك في دمشق في بيت البطريرك الشامخ الوطنية غريغوريوس حداد، الذي ظل متمسكاً ببيعة الملك فيصل، ثم يمّم شطر حماه هارباً من بطش الفرنسيين، وكان ذلك سيراً على الأقدام، وبقي فترة متخفياً عن الأنظار، إلى أن دل عليه أحد المتعاملين مع جيش الاحتلال، عندما كان يتزوّد من الهواء الطلق وأشعة الشمس، أمام المنزل الذي كان يتوارى فيه، وما هي إلا نصف ساعة حتى كان البيت مطوَّقاً، وسيق الشاعر مصفّداً حيث اعتقلوه في أحد خانات المدينة الرطبة، وقد عُذِّبَ، وضُرِبَ بالسياط، حتى أُدْمِيَتْ قدماه، وعوقِبَ بالحفر وتكسير الأحجار قبل أن يُنْقَل إلى سجن حمص، فسجن الديوان الحربي في بيروت حيث قضى ستة عشر شهراً، اقتيد بعدها إلى سجن قلعة أرواد فكان وربيع المنقاري أول من عرف هذا المعتقَل من الساسة الوطنيين السوريين. وقد وَشَمَ البدوي على ذراعه ذكرى ذلك بهذه العبارة «تذكار السجن الفرنسي».





(فطال عليك الليل)

أحبّك حبّا لا تطوف به المنى
عرائس في حلي الملاح العرائس
أحبّك عن يأس و ما حبّ آمل
بأقرب في نجواه من حبّ يائس
و أهمس في سمع النسيم رسالة
فهل دغدغت نهديك من ثغر هامس
رويدك تهفو بي إلى الكأس خطرة
من الذكر مرّت في خيالات هاجس
تعيد لعيني كلّ ما فات و انطوى
و ترفع من بالي كلّ الطلول الدوارس
فالمح في الذكرى غديرا ترفّه
مع البدر أثداء الظباء الأوانس
و نهرا تعرّى البدر فيه كرامة
لبعض القدود العاريات الموائس
و ألمح في الذكرى جنونا و سورة
من الحبّ في تلك الجفون النواعس
فيالك كنزا راح يسخر ربّة
فمتّع من لألائه عين بائس
لقد خنت حتّى لا يغار أخو هوى
أحبّك من وجد طريف ملابس
ففي كلّ غضّ منك آثار قاطف
و في كلّ بضّ منك آثار لامس
فطال عليك الليل تأوي مع الدجى
بجفنيك أشباح الرؤى و الهواجس


آلام ...

ألفت حرّك لا شكوى و لا سهد
يا جمرة في حنايا الصدر تتّقد
مرّي على كبدي حمراء دامية
يبقى الحنين إذا تسلم الكبد
و ما أضيق بهمّ حين يطرقني
لقد تقاسم حبّي البؤس و الرّغد
إنّي أدلّل آلامي و أمسحها
مسح الشفيق و أجلوها و أنتقد
حتّى تطلّ على الدنيا بزينتها
حسناء تبدو عليها نعمة ودد
بعض الخطوب ظلام لا صباح له
و بعضها الفجر فيه النّور و الرشد
تفجّر الخير منه روضة أنفا
تدعو إلى ظلّها وانين قد جهدوا
إذا هم جرعوا من مائها جرعا
توثّبت عزمات فيهم جدد
و مدلجين أضاء الحزن ليلهم
حتّى إذا انطفأت أحزانهم قعدوا
حادوا عن المحنة الكبرى و لو صحبوا
نيرانها الحمر ما ضلّوا و لا انفردوا
فيم التنكّر للآلام قاسية
إذا تباعد في ميدانها الأمد
ألطالعون على الدنيا بنصرهم
لولا الفواجع هل شدّوا و هل نهدوا
إذا ونوا راح يذكي من عزائمهم
حقد هو العدّة الشهباء و العدد
سقاهم خمرة الآلام فاضطرموا
يستلهمون من الآلام و احتشدوا
أمّا الشعوب و قد ضجّت عواصفها
فصلحب النّصر فيها الثاكل الحرد
لقد تلاقى على الغايات من ظفروا
بالملك في زحمة الدنيا و من حقدوا
إنّ الألى أنكر الأحزان سامرهم

الكعبة الزهراء
بنور على أم القرى وبطيب غسلت فؤادي من أسى ولهيب
لثمت الثّرى سبعا وكحّلت مقلتي بحسن كأسرار السماء مهيب
وأمسكت قلبي لا يطير إلى (منى) بأعبائه من لهفة ووجيب
فيا مهجتي : وادي الأمين محمد خصيب الهدى : والزرع غير خصيب
هنا الكعبة الزّهراء . و الوحي و الشذا هنا النور. فافني في هواه وذوبي
ويا مهجتي : بين الحطيم و زمزم تركت دموعي شافعا لذنوبي
وفي الكعبة الزهراء زيّنت لوعتي وعطّر أبواب السماء نحيبي
***
وردّدت الصحراء شرقا و مغربا صدى نغم من لوعة ورتوب
تلاقوا عليها ، من غني و معدم ومن صبية زغب الجناح وشيب
نظائر فيها : بردهم برد محرم يضوع شذا : والقلب قلب منيب
أناخوا الذنوب المثقلات لواغبا بأفيح – من عفو الإله – رحيب
وذلّ لعزّ الله كلّ مسوّد ورقّ لخوف الله كلّ صليب
***
ولو أنّ عندي للشّباب بقيّة خففت إليها فوق ظهر نجيب
ولي غفوة في كلّ ظلّ لقيته و وقفة سقيا عند كلّ قليب
هتكت حجاب الصّمت بيني وبينها (بشبّابة) سكرى الحنين خلوب
حسبت بها جنّيّة (معبدية) وفرّجت عن غماّئها بثقوب
***
وركب عليها ، وسم أخفاق عيسهم وهام تهاوت للكرى وجنوب
وألف سراب ، ما كفرت بحسنها وإن فاجأت غدرانها بنضوب
وضجّة صمت جلجلت . ثمّ وادعت ورقّت ، كأخفى همسة ودبيب
وأطياف جنّ في بحار رمالها تصارع حالي طفوة ورسوب
وتعطفني آلآرام فيها نوافر إلى رشأ في الغوطتين ربيب
يعلّلني – والصدق فيه سجية بوعد مطول باللقاء كذوب
وبدّلت حسنا ضاحك الدلّ ناعما بحسن عنيف في الرّمال كئيب
ومن صحب الصحراء هام بعالم من السحر جنّي الطيوف رهيب
وللفلك الأسمى ، فضول لسرها ففي كلّ نجم منه عين رقيب
***
أرى بخيال السّحب – خطو محمد على مخصب من بيدها وجديب
وسمر خيام مزّق الصمت عندها حماحم خيل بشّرت بركوب
ونارا على نجد من الرمل أوقدت لنجدة محروم غوث حريب
وتكبيرة في الفجر سالت مع الصّبا نعيم فياف و خضلال سهوب
أشمّ الرمال السمر : في كلّ حفنة من الرّمل ، دنيا من هوى طيوب
على كلّ نجد منه نفح ملائك وفي كلّ واد منه سرّ غيوب
توحّدت بالصحراء . حتّى مغيبها و مشهدها من مشهديّ ومغيبي
ومن هذه الصحراء ، أنوار مرسل ورايات منصور . وبدع خطيب
ومن هذه الصحراء ، شعر تبرّجت به كلّ سكرى بالدلال عروب
تعطّر في أنغامه و رحيقه وريّاه :عطري مبسم وسبيب
ترشّ النجوم النور فيها ممسّكا فأترع أحلامي وأهرق كوبي
وما أكرم الصحراء .. تصدى .. ونـمنمت لنا برد ظل كالنعيم رطيب
ويغفو لها التاريخ . حتّى ترجّه بداهية صلب القناة أريب
شكا الدّهر ممّا أتعبته رمالها ولم تشك فيه من ونى ولغوب
وصبر من الصحراء ، أحكمت نسجه سموت به عن محنتي وكروبي
ومن هذه الصحراء .. صيغت سجيّتي فكلّ عجيب الدّهر غير عجيب
يرنّح شعري باللوى كلّ بانة ويندى بشعري فيه كلّ كثيب
ولولا الجراح الداميات بمهجتي لأسكر نجدا والحجاز نسيبي
وهيهات ما لوم الكريم سجيّتي ولا بغضه عند الجفاء نصيبي
نقلت إلى قلبي حياء وعفّة أسارير وجهي من أسى وقطوب
وعرّتني الأيّام ممّن أحبّهم كأيك – تحاماه الرّبيع – سليب
ورب ّ بعيد عنك أحلى من المنى وربّ قريب الدّار غير قريب
وويح الغواني : ما أمنت خطوبها وقد أمنت بعد المشيب خطوبي
وكيف وثوبي للزّمان وأهله وللشيّب أصفاد يعقن وثوبي
أفي كلّ يوم لوعة بعد لوعة لغربة أهل أو لفقد حبيب
ويارب : في قلبي ندوب جديدة تريد القرى من سالفات ندوب
يريد حسابي ظالم بعد ظالم وما غير جبّار السماء حسيبي
ويا رب : صن بالحبّ قومي مؤلفا شتات قلوب لا شتات دروب
ويا رب : لا تقبل صغاء بشاشة إذ لم يصاحبه صفاء قلوب
تداووا من الجلىّ بجلىّ .. وخلّفوا وراءهم الإسلام خير طبيب
***
ويا رب : في الإسلام نور ورحمة وشوق نسيب نازح لنسيب
فألّف على الإسلام دنيا تمزّقت إلى أمم مقهورة وشعوب
وكلّ بعيد حجّ للبيت أو هفا إليه- وإن شطّ المزار – قريبي
سجايا من الإسلام : سمح حنانها فلا شعب عن نعمائها بغريب
***
وآمنت أنّ الحبّ خير ونعمة و لا خير عندي في وغى وحروب
وكلّ خصيب الكف فتحا وصولة فداء لكف بالعبير خضيب
وآمنت أنّ الحب والنور واحد ويكفر بالآلاء كلّ مريب
ولو كان في وسعي حنانا ورحمة لجنّبت أعدائي لقاء شعوبي
***
ويا رب : لم أشرك و لم أعرف الأذى وصنت شبابي عنهما ومشيبي
وإنّي – وإن جاوزت هذين سالما لأكبر لولا جود عفوك حوبي
و أهرب كبرا أو حياء لزلّتي و منك ، نعم ، لكن إليك هروبي
و أجلو عيوبي نادمات حواسرا و أستر إلاّ في حماك عيوبي
و أيّ ذنوب ليس تمحى لشاعر معنى بألوان الجمال طروب